السنة الثالثة للمجمع
عظة صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الكلّي، في القداس الاحتفالي الاحد 2 تشرين الثاني 2008، ألقاها صاحب السيادة المطران يوسف بشارة، الأمين العامّ للمجمع البطريركيّ المارونيّ لمناسبة إطلاق السنة الثالثة لمسيرة تطبيق أعمال المجمع البطريركيّ الماروني في بكركي وهذا نصّ العظة:
بطريركية أنطاكية وسائر المشرق المارونيّة
بكركي
البركةُ الرسوليّةُ تشمل إخواننا أصحابَ السيادةِ الساميّ احترامُهم،
والكهنةَ والآباءَ الاجلاّء، وجمهورَ المؤمنينَ، المحترمـــــين
كان بودِّنا أن نحتفلَ معكم في هذا اليومِ بأحدِ تقديسِ البيعةِ وبدءِ السنةِ الطقسيّةِ فنُطلِقَ السنةَ المجمعيّةَ الثالثةَ بعد انعقادِ المجمعِ البطريركيّ المارونيّ، كما نَستذكرُ موتانا أمامَ الله، مُستمطرينَ على أرواحِهم الخالدةِ لدى ربِّهم، شآبيبَ الرحمةِ والرضوان. ولكنْ ما اضطّرَنا إلى التمكّثِ في روما هو استقبالُ فخامةِ رئيس الجمهوريّةِ الذي يزورها في أواخرِ تشرينَ الأوّل لمقابلةِ قداسةِ الحبرِ الأعظمِ والرئيسِ الايطالي، ويزورُ في المناسبةِ عينِها مدرستَنا المارونيّةَ العريقة.
إنَّ الاحتفالَ بمرورِ ثلاثِ سنواتٍ على انعقادِ مجمعِنا المارونيّ هو موعدٌ له اهمّيتُه بالنسبةِ إلى كنيستِنا المارونيّة. وقد تحقَّقت منذُ ذلكَ التاريخِ، في هذا المجالِ، أمورٌ كثيرة، كان لا بدَّ منها، منها ترجمةُ الوثائقِ المجمعيّةِ الموضوعةِ بالعربيّةِ إلى الفرنسيّةِ والإنكليزيّةِ التي أصبحت بين أيدي مَنْ يَرغبونَ في الاطّلاعِ عليها، وقد تمَّ نشرُها في كُتيّباتٍ يَسهلُ تداولُها، كما سُجِّلت كلُّ النصوصِ باللغاتِ العربيّةِ والفرنسيّةِ والإنكليزيّةِ على قرصٍ مدمَّجٍ لتكونَ في مُتنَاولِ الجميع، وخاصّةً الشبيبةِ التي تتقنُ استعمالَ وسائلِ الاعلامِ الحديثة. فضلاً عن محاولةِ تفعيلِ هذه النصوص وتطبيقِها على الحياةِ العمليّة.
ولنا ملءُ الثقةِ بأنَّ الاقبالَ على النصوصِ التي أُدرِجَت في روزنامةِ السنةِ الثالثةِ يُفسِحُ في المجالِ للتعمُّق في موضوعاتٍ حسّاسةٍ تتناولُ التربيةَ المدرسيّةَ والجامعيّةَ والحياةَ الرعويّةَ والليتورجيا والتعليمَ المسيحيّ والاعلامَ وغيرَها من الموضوعاتِ التي لها علاقةٌ بحياتِنا والتزاماتِنا على أكثرِ من صعيد. ولذلك نَحثُّكُم جميعًا على إيلاءِ هذه النصوصِ ما تستحقُّ من درسٍ وتمحيصٍ، لِما لها من بُعدٍ كنسيٍّ ووطنيٍّ، ونأملُ أن يكونَ لها فعلُها الخيّرُ في النفوسِ والاراداتِ، في هذه الايامِ التي نحنُ أحوجُ ما نكونُ فيها إلى العودةِ إلى تعاليمِنا الدينيّة، ووضعَِها موضَع العَمل.
والعودةُ إلى التعاليمِ الدينيّةِ هي خشبةُ الخلاصِ بالنسبةِ إلينا. وكُلَّما ابتَعدْنا عنها ابتَعدْنا عن بعضِنا وساءَت أحوالُنا، وكلَّما حاولْنا تطبيقَها، عُدْنا إلى الصوابِ واعتَدَلَت أمورُنا، وكنّا أوفياءَ لتاريخِنا. وقديمًا قيلَ، والقولُ صحيحٌ: "ما هَذَّبَ الأخلاقَ إلاّ الدينُ". والتباعدُ، والتنابذُ، وإثارةُ الأحقادِ، مدرَجَةٌ إلى الهلاك. والوفاقُ، والمحبةُ، والتعاضدُ، هي السبيلُ الوحيدُ إلى المحافظةِ على الكيانِ اللبنانيّ، وتاريخِه الأصيل. ونخشى أن يقالَ يومًا فينا ما قالَتْه والدةُ أحد أُمراءِ الأندلس:
إِبكِ مِثلَ النساءِ مُلكًا مُضاعًا لم تُحافِظ عليه مِثلَ الرجالِ
وإنّا نسألُ اللهَ أن يُلهِمَنا جميعًا أن نسيرَ في ضؤِ تعاليمِنا الدينيّة، ونَضعُها مَوضِعَ العمـل، ونُقبِلَ على بعضِنا بالصَفحِ والغُفران، ونِسيانِ الإساءَة، والتعاونِ المُخلِص، ونرسِّخَ في ذهنِنا أَنَّه ما مِنْ أحدٍ سيُحبُّنا أكثرَ من مَحَبَتِنا لأنفسِنا، والتاريخُ يُعلِّم، وهو أَحذقُ استاذ، أنّه ما مِنْ أحدٍ يُريدُ أن يساعِدَنا على تقويمِ نَهجِنا، إلاّ إذا كانَ له في ذلك غايةٌ ومأربٌ. والدولُ ما كانت يومًا جمعيّاتٍ خيريّة. والمثلُ المأثورُ يقول: "ما حَكَّ جِلدَكَ مثلُ ظِفرِكَ".
فلنتَّقِ اللهَ في بلدِنا، ولنَعُدْ إليهِ بالتوبة، وإلى بعضِنا البعضِ بالمصالحة، واللهُ من وراءِ النيّات.
وإنّا، إذ نسألُه تعالى، بشفاعةِ سيّدةِ لبنان، أَن يُلهِمَنا جَميعًا ما فيهِ رضاه، والمحافظةَ على وصاياه وفي مُقدَّمِها المحبّة، نَمحضُكُم جميعًا عاطفتَنا الأبويّةَ ونسألُه تعالى أن يُسدِّدَ خطاكُم إلى الخيرِ والتَوفيق.
عَن مقرِّنا في المدرسةِ المارونيّةِ في روما، في أوّلِ تشرين الثاني 2008.
الكردينال نصرالله بطرس صفير
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
الساعة العاشرة من قبل ظهر يوم الجمعة 26/9/2008، قرأ صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الكلّي الطوبى، رسالة لمناسبة إطلاق السنة الثالثة لمسيرة تطبيق أعمال المجمع البطريركيّ الماروني في بكركي وهذا نصّ الرسالة:
بطريركية أنطاكية وسائر المشرق المارونيّة
بكركي
أيُهّا الأخوةُ والأخواتُ الأعزَّاء،
في ختام رياضتِنا السنويّةِ في حزيرانَ الماضي أطلَعتنا الأمانةُ العامّةُ على مراحلِ المسيرةِ المجمعيّةِ في الأبرشيّاتِ والرعايا والرهبانيّات، وفقًا للتقاريرِ الّتي قَدّمها المندوبون والمندوبات. ونَحمدُ الله معكُم على الجهودِ الّتي بُذلَت في أكثرَ مِن مؤسّسةٍ كنسيّةٍ حتّى تَصِلَ نصوصُ المجمعِ إلى الاكليروسِ والمؤمنين. وإنّ صُدورَ هذه النصوصِ باللغةِ الانكليزيّةِ والفرنسيّةِ تُتيحُ لأبنائِنا المنتشرينَ الاطّلاعَ عليها والإفادةَ منها حتّى يتكوّنَ لديهم فكرٌ مارونيٌ يَجمعُ في ما بينهُم وبينَ المقيمينَ مهما بَعُدتِ المسافات. ونَأملُ أن تُلاقيَ هذه النصوصُ ما تَستحقُ من اهتمامٍ وانتشارٍ ليبقى الموارنةُ مُوحّدينَ في إيمانِهم وانتمائهم الكنسيّ، مهما اختلفَت مشاربُهُم وتوجُّهاتُهم.
ونَودّ أن نُشيرَ إلى الخِطّةِ المُعتمدةِ لتقبُّلِ النُصوص. فَبَعد التركيزِ في السنتَين المُنصَرمَتين على الملفّينِ الأوّلِ الّذي عَالجَ هويةَ الكنيسةِ المارونيّةِ ودَعوتَها ورسالتَها، والثاني الّذي تَطرَّقَ إلى التجدّدِ في الهيكليّاتِ والأشخاص، تُوزّعُ هذه السنةُ نُصوصُ الملفّ الثالثِ التي هي أقربُ منالاً ، لأنّها تَتناوَلُ موضوعاتٍ لها وَقْعُها المباشَر على حياتِنا والتزاماتِنا، ومنها شؤونُ الرعيّةِ والتنشئةِ المسيحيّةِ والطقوسِ والتربيةِ في المدارسِ والجامعاتِ والإعلام...
وما مِنْ أحدٍ يجهلُ أهمّيّةَ هذه الموضوعاتِ وما تستدعيه من التزامٍ على صعيدِ الأفرادِ والجماعاتِ والمؤسّسات. فيكونُ الإيمانُ ملهِمٍا لموقِفنا وتَصرُّفاتِنا وبالتالي نُؤدّي الشهادةَ الصحيحةَ للسيّدِ المسيحِ ولتعليمِهِ ولما استودَعَنا إيّاهُ من قِيَمٍ إنجيليّةٍ نحنُ أحوجُ ما نكونُ إليها في هذه الأيّام، وفي مُقدّمتِها التعاونُ والتضامنُ والتسامحُ ونبذُ كلِّ أساليب التفرِقَة. ولا بُدّ مِنَ التذكيرِ بأنَّ الغايةَ الأولى من المجمعِ هي التجدّدُ على كلِّ الصُعُدِ وذلك بقوّةِ الرُوحِ القدُس.
وإنّنا نَدعوكُم مُجدّدًا ، ولا سيَّما المُتردّدين مِنكُم ، حتّى تَعمَلوا جاهِدين على نَشرِ هذه النصوصِ واستثمارِها في جماعاتِكم الرعويّةِ والديريّة، مُستفيدين من الخُبُراتِ الناجِحَة على أكثرِ مِن صَعيد. وهذه الخُبُرات ، كما النُصوصُ كلُّها، منشورةٌ على المَوقع الالكترونيّ للمجمَع. وصَدَرت هذه النصوصُ أيضًا مُسجّلةً على أقراصٍ مُدمّجَةٍ لِيَسهُلَ استعمالُها كليًّا أو جِزئيًّا، في شَتَّى المناسبات، وحتّى يَتسنّى للباحثينَ الوصولُ إليها. ويَسرّنا أيضًا أن الاطّلاعَ على هذه النصوصِ لم يَقتصِر على أبنائِنا فقط، بل قامت به أيضًا فئاتٌ لبنانيّةٌ وأجنبيّةٌ وَثَمّـنَتْ المضمونَ والمنهجيّة. وهذا دليلُ عافيةٍ وشهادةٌ أنّ عَمَلَنا ليس لنا وحدَنا بل للجميع.
وَنَودّ أن نُعلمكُم بأنّ لِجنةَ المتابعةِ المجمعيّة تَعملُ على دَرسِ التَوصياتِ وكيفيّةِ تطبيقِها بالتعاونِ مع الأبرشيّاتِ والرهبانيّاتِ. ومن ثِمارِ المجمعِ، قد أنشأنا أمانةً عامّةً في الكرسيِّ البطريركيّ تَضُمُّ دوائرَ مختلفةً حتَّى يأتِي العملُ الكنسيُّ على أسُسٍ مدروسَةٍ في فِرَقٍ تَجمَعُ أصحابَ الاختصاصِ من إكليروسٍ وعلمانيّين.
ولقد قَرَّرنا إطلاقَ السنةِ المجمعيّة الثالثة بقدّاسٍ احتفاليّ في بكركـي في 2 تشرين الثاني، في أحدِ تقديسِ البيعةِ وبدءِ السنةِ الطقسيّةِ. لذا نَدعوكُم إلى المشاركةِ فيه، شُكراً للهِ على ما أنعَمَ ويُنعِمُ على كنيستِنا من بركاتٍ تَتجلّى في قِدّيسيها، وتَعبيرًا عن التزامِنا جميعًا بالورشَةِ المَجمعيّةِ، فالمَجمعُ، كما قُلنا سابقًا، هو في تنفيذِهِ. وهذهِ مَسؤوليّتُنا جَميعًا إكليرُوسًا وعِلمانيّين.
إنّنا نَستمطِرُ عليكُم جميعًا بركاتِ الربِّ يسوع ، بشفاعةِ أمِّهِ البتولِ سيّدةِ لبنان، آملين أن تكونَ السنة البولسيّة فرصةً أيضًا للإطِلاعِ على حياة مار بولس ورسائِلِه، فتشكّلُ النصوصُ المجمعيّةُ والرسائلُ البولسيّة جوًّا روحيًّا يرسّخنا أكثرَ فأكثرَ في إيمانِنا ورجائِنا بالمسيحِ الحيّ في كنيستِه.
بكركي ، في 26 أيلول 2008
الكردينال نصرالله بطرس صفير
بطريرك انطاكية وسائر المشرق