في المجمع ألبطريركي

الماروني

وهي

الرسالة الثامنة عشرة التي يوجّهها نيافة الكاردينال

مار نصر الله بطرس صفير

بطريرك انطاكية وسائر المشرق

الى

أبنائه الموارنة اكليروساً وعلمانيين

في مناسبة الصوم الكبير

2003


بنعمة الله
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

إلى جميع إخواننا المطارنة وجميع أبناء كنيستنا، إكليروساً وعلمانيين،

 
أيها الاخوة والأبناء الأعزاء،
السلام والبركة الرسولية،

نخصّص رسالتنا هذه السنة، التي نصدرها في مناسبة الصوم الكبير، للمجمع البطريركي الماروني الذي ستبدأ دوراته في الاسبوعين الأول والثالث من حزيران المقبل. وبما أن المجمع كما نصّت عليه القوانين الكنسية ودعت اليه، هو عمل كنسي بامتياز، فإن جميع المؤمنين، من اكليروس وعلمانيين، هم معنيون به، وإن بدرجات متفاوتة. مما لا شكّ فيه أن هناك خبراء واختصاصيين يجتهدون في وضع النصوص التي يتم التداول فيها ومناقشتها حتى تصبح نصوصاً مجمعية يمكن اعتمادها؛ ولكن الصحيح أيضاً أن الكثيرين يسهمون بطريقة أو بأخرى في بلورة النصوص النهائية. ولذلك يعتبر العمل المجمعي عمل الكنيسة بكل فئاتها؛ فلا يقتصر على أفراد من الاكليروس.

ونظراً الى أهمية المجامع في الكنيسة الجامعة بصورة عامة، وفي كنيستنا بصورة خاصة، كان لا بدّ لنا في هذه الرسالة من أن نحدثكم عن:

1.      المجامع في الكنيسة.

2.      المجامع في كنيستنا المارونية.

3.      المجمع البطريركي الماروني:

أ.   نظرة تاريخية.

ب. هوية المجمع وأهدافه.

ج. موضوعات المجمع.

4.      المشاركة في المجمع.

أولاً : المجامع في الكنيسة

1.       إن عقد المجامع ملازم لنشأة الكنيسة. هذا ما يخبرنا عنه كتاب أعمال الرسل في الفصل 15 الذي يروي قصة الجدل الذي وقع بين المسيحيين الأوائل الذين رأى قسم منهم، من أصل يهودي، أن حفظ ناموس موسى بما فيه الختان، يجب أن يُفرض على الجميع حتى على المرتدّين من الوثنية. »فاجتمع الرسل والقسس لينظروا في المسألة« (15/6). وحسم بطرس ويعقوب الجدل. وكتبت عندئذ أول رسالة مجمعية تبدأ كالتالي:

»الرسل والقسس والاخوة، الى من في انطاكيا وسوريا وكيليكيا، الاخوة من الأمم، سلام (15/23) وتحدّد الرسالة ما يجب أن يتمسك به المسيحيون الذين تحرروا من الناموس القديم ونالوا الخلاص بايمانهم بالمسيح. والبارز في هذه الرسالة هو تشاور الرسل والكهنة والاخوة في قضية مطروحة، وحسمها بروح المشاركة وبعون الروح القدس«. (أعمال الرسل 15/23ـ29).

2.       ونسجاً على هذا المنوال، توالى عقد المجامع في الكنيسة التي كانت تهدف الى تحديد العقيدة المسيحية، وتوضيحها وصونها من الأضاليل والهرطقات التي كانت تنساب اليها، لتنحرف بها وتشوهها.

فالمجامع المسكونية التي عقدت في القرون الثمانية الاولى للمسيحية هي سبعة. وأهمها مجمع نيقية (سنة 325)، والقسطنطينية الأول (381) وأفسس (341) وخلقيدونية (451)؛ ولقد حدّدت وأوضحت مضامين الايمان بالله الآب والابن والروح القدس، وعدّدت الحقائق الاساسية للعقيدة المسيحية كما وردت في قانون الايمان الذي لا نزال نتلوه في القداس والاحتفالات.

ولا مجال هنا لذكر المجامع كلها، إنما لا بدّ من الاشارة الى مجمعين طَبَعا حياة الكنيسة بطابع مميز ومستديم، ألا وهما المجمع التريدنتيني والمجمع الفاتيكاني الثاني، اللذين كان لهما تأثير كبير في كنيستنا كما سنبيّن ذلك.

عقد المجمع التريدنتيني في مدينة ترانت الايطالية سنة 1545، وامتدت أعماله على حوالي عشرين سنة في دورات ثلاث. وكان الدافع اليه مواجهة حركة الاصلاحيين التي قادها لوثر وكلفينوس، ونقضت الكثير من المعتقدات المألوفة، في ما يخصّ الأسرار وتفسير الكتاب المقدس والسلطة الكنسية، والقوانين وموضوعات أخرى. لذلك عمد المجمع الى درس هذه الموضوعات، فحدّد عقيدة الكنيسة وحرم كل من يناقضها. وقاد حركة إصلاحية حقيقية، أحدثت نهضة كنسية شملت معظم الكنائس في العالم. وكان من نتائجها علينا إنشاء المدرسة المارونية في روما لتنشئة الاكليروس سنة 1584، وفيما بعد عقد المجمع اللبناني سنة 1736 في دير سيدة اللويزه، الذي سنعود اليه لاحقاً.

أما المجمع الفاتيكاني الثاني، وهو الأقرب الينا، فقد عقد من سنة 1963 الى 1965 وبدأت الدعوة اليه والتحضيرات له منذ سنة 1959، بعد تولي قداسة البابا الطوباوي يوحنا الثالث والعشرين السدّة البطرسية. ولقد أراد قداسته أن يكون هذا المجمع راعوياً ومسكونياً، يعمل على تجديد الكنيسة من الداخل وفي علاقتها مع العالم الذي تعيش فيه ويسعى سعياً جاداً الى وحدة المسيحيين. ولذلك لم يكن هدفه مواجهة بدع جديدة أو إدانة تعاليم مضادة. ويُعتبر هذا المجمع من أهم أحداث القرن العشرين، أقله على الصعيد الكنسي. ولإدراك كل أبعاده، لا بدّ من العودة الى نصوصه الرائعة التي أرست معالم واضحة للتفكير والعمل الكنسي. وتجدر الاشارة الى أهم هذه المعالم ومنها مفهوم الكنيسة كشعب الله ودور العلمانيين فيها وعلاقتها بسائر المسيحيين وبالديانات الاخرى ورسالتها في العالم وموقفها من كل القضايا المطروحة. ولقد كرّس المجمع التجديد الليتورجي وعزّز العمل المسكوني ودعا الى التجديد في كل مجالات الحياة الكنسية.

3.       هذه بعض نماذج من المجامع التي عقدت قديماً وحديثاً. وهي مجامع مسكونية لأنّها تتمّ بناء على دعوة يوجهها البابا الى كل أساقفة العالم الكاثوليكي ويرأسها هو شخصياً أو من ينوب عنه؛ وتصبح مقرراتها ملزمة لجميع أبناء الكنيسة بعد أن يكون قد وافق عليها، وأعلنها.

وهناك مجامع إقليمية تعقد بموافقة رأس الكنيسة تتناول مسائل تتعلق بمنطقة معيّنة يتدارسها أساقفتها ويتخذون المقررات المناسبة بشأنها بعد أن تنال موافقة الكرسي الرسولي.

وهناك أيضاً المجامع المحلية التي تعنى بالقضايا التي تطرح على صعيد كنيسة خاصة أو أبرشية معيّنة. فتدعى مجامع بطريركية أو أبرشية. ويجب أن تنال المجامع البطريركية موافقة مجمع أساقفة الكنيسة البطريركية، وكذلك المجامع الأبرشية يجب أن تحظى بموافقة مطران الأبرشية.

4.       ان القوانين الكنسية تعتبر أن المجامع، عندما تعقد بدعوة من الرئيس الكنسي الذي له حق في الدعوة اليها، هي السلطة العليا في الكنيسة بالانسجام التام مع سلطة البابا ودون انتقاص منها. وبما أنه من المتعذر أن يعقد مجمع مسكوني بصورة دورية، فلقد اعتمدت الكنيسة الكاثوليكية صيغة جديدة وهو سينودس الأساقفة الذي يدعو اليه البابا ممثلين عن المجالس الأسقفية الكاثوليكية في العالم، فيلتئم دورياً كل ثلاث سنوات لدرس موضوع معيّن على صعيد الكنيسة أو على صعيد منطقة أو بلد معيّن (مثلاً السينودس من أجل لبنان). وليس لهذا السينودس صفة تقريرية، انما يرفع توصيات الى قداسة البابا الذي يستنير بها ليصدر إرشاداً رسولياً يتضمن جوهر هذه التوصيات ويعلن تعليم الكنيسة في الموضوع الذي تدارسه آباء السينودس.

ولقد دعا المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني أساقفة بلد معيّن أو منطقة معيّنة الى الاجتماع دورياً، (ق غ: 447ـ459) أقلّه سنوياً، لتدارس شؤون بلدهم أو منطقتهم. ولقد أناط بهم عقد المجامع المحلية أو الاقليمية، وفقاً لحاجة الكنائس، بعد موافقة الكرسي الرسولي. ولقد لحظت مجموعة قوانين الكنائس الشرقية عقد المجامع البطريركية أو الأبرشية، في القوانين التالية: 140ـ145 (مجمع بطريركي)؛ 235ـ242 (مجمع أبرشي).

غير أن الدعوة الى عقد المجامع قديمة جداً في الكنيسة. فمنذ أوائل القرن الرابع، من مجمع نيقية سنة 325، الى أيامنا، هناك إلحاح وإلزام بعقد هذه المجامع. ولقد ذكّر المجمع اللبناني سنة 1736 بسلسلة طويلة من توصيات هذه المجامع، منتهياً الى القول: »يجب أن لا يهمل عقد مجامع الأبرشية في كل من أبرشيات الأساقفة أو رؤساء الأساقفة، ثم عقد المجامع الاقليمية التي يلتئم فيها الأساقفة ورؤساء الأساقفة لدى السيد البطريرك السامي الاحترام للنظر في تهذيب الآداب وإصلاح الخلل وتسوية المنازعات وغير ذلك مما ترسمه القوانين المقدسة«. وحدّد المدة الفاصلة بين مجمع وآخر بثلاث سنوات (المجمع اللبناني، في الأساقفة، عدد 29).

5.       ويتبادر الى الذهن سؤال: لماذا هذا التشديد على عقد المجامع؟

نودّ ألاّ نتوقف على الأسباب البديهية المتعلقة بالأمور التنظيمية والتدبيرية التي تستدعي التشاور والقرارات المشتركة. انما نعود الى الاسباب العميقة التي تتعلق بجوهر الكنيسة ورسالتها.

ان الكنيسة تجسّد استمرارية حضور المسيح وعمله، وتلتئم بدعوة من المسيح، رئيسها غير المنظور، وتعمل بهدي روحه القدوس. ولذلك هي تتابع رسالته المثلثة، رسالة التعليم والتقديس والتدبير. وعندما تجتمع الكنيسة، فالرب حاضر فيها؛ وهي تستحضره وتستلهم الروح القدس في كل أمر تبحث فيه. وتتجلى مواهب الروح في الكنيسة عندما يضع كل من أعضائها موهبته في سبيل البنيان. وهذا ما عبّر عنه بولس الرسول في رسالته الاولى الى أهل كورنتس في الفصل 12، مشبهاً الكنيسة بالجسد الذي يتعاون فيه جميع الاعضاء، وفقاً لموهبة كل واحد. وهذا ما ورد في قوله في رسالته الى أهل روما: »لأنه كما لنا أعضاء كثيرة في جسد واحد، وليس لجميع الاعضاء عمل واحد، كذلك نحن الكثيرين، فإننا جسد واحد بالمسيح، وكل واحد منا عضو للآخر ولكن لنا مواهب مختلفة، بحسب النعمة التي وهبت لنا...« (روما 12/4ـ6). فالمجامع، أيًّا كان نوعها، تجمع هذه المواهب الروحية المتعددة والمتنوعة والمتفرقة، وتستثمرها لخير الجسد، أي الكنيسة، المنتشرة في كل مكان. ولذلك يعضدها الروح وينيرها في بحثها ومناقشاتها وتوصياتها وقراراتها حتى تأتي بما فيه فائدة الجميع. ولهذا السبب اعتبرت المجامع المسكونية التي يدعو اليها ويقرّها قداسة البابا معصومة عن الخطأ في ما يتعلق بالعقيدة والآداب المسيحية.

ومن هذا المنطلق الكنسي المتنوع عقدت المجامع تعبيراً عن شمولية الكنيسة وجامعيتها، وتوضيحاً لايمانها، وصوناً لمعتقداتها، ورسماً لسلوكية أبنائها، ولأدوارهم فيها، وتحديداً لعلاقاتها بما ومن يحيط بها. وفيها تتجلى بصورة رائعة رسالة التعليم التي أناطها الرب يسوع بكنيسته قبيل صعوده الى السماء.

ثانياً : المجامع في كنيستنا المارونية

6.       وأفادت كنيستنا المارونية من خبرة الكنيسة الجامعة في هذا المضمار، فكانت لها مجامعها، بدءاً من القرن السادس عشر. ويشكل المجمع اللبناني الذي انعقد سنة 1736 في دير سيدة اللويزه المحور الأهم فيها، نظراً الى شمولية الموضوعات التي عالجها والنتائج الواسعة التي انعكست على حياة الكنيسة. لذا قبل التطرق اليه لا بد من القاء نظرة، ولو سريعة، الى المجامع التي عقدت قبله ثم الى التي تلته.

7.       لقد انعقد في القرن السادس عشر سبعة مجامع، أهمها أربعة: مجمع سنة 1580 في عهد البطريرك مخايل الرزي، مجمعان سنة 1596 في عهدي البطريركين سركيس الرزي ويوسف الرزي، ومجمع سنة 1598 في عهد البطريرك يوسف الرزي نفسه. والثلاثة الباقية عقدت سنة 1557 في عهد البطريرك موسى العكاري، وسنة 1569 وسنة 1587 في عهد البطريرك مخايل الرزي. جميع هذه المجامع انعقدت في الكرسي البطريركي في قنوبين ما عدا مجمع سنة 1598 الذي انعقد في كنيسة مارت مورا في ضيعة موسى، وهي محلّة من اهدن.

في القرن السابع عشر التأم مجمع واحد سنة 1644 في حراش في عهد البطريرك يوسف حليب العاقوري، (المونسنيور جوزف فغالي: تاريخ قانون الكنيسة المارونية) (مجلّة المنارة 1983 العدد الأول: العدد بكامله مخصص للمجامع المارونية).

أهم هذه المجامع كان مجمع سنة 1580 الذي انعقد بحضور مندوبين عن الكرسي الرسولي، أحدهما الأب اليانو اليسوعي، الذي وضع النصوص نقلاً عن المجمع التريدنتيني، حتى تلتزم بها الكنيسة المارونية، تدليلاً على مطابقة عقائدها وأنظمتها وأسرارها على ما اعتمدته كنيسة روما. ويبدأ المجمع بعرض لمقومات الايمان الكاثوليكي، وأسرار البيعة السبعة، وأسفار الكتاب المقدس. ويقرّ المجمع، في ما يقرّ، بعقد مجمع كل ثلاث سنين (القانون التاسع).

8.       المجمع اللبناني الاقليمي سنة 1736 في عهد البطريرك يوسف ضرغام الخازن. انعقد بحضور القاصد الرسولي يوسف سمعان السمعاني الذي كان يحمل معه نسخة لاتينية لأعمال المجمع، وهي مستقاة من قوانين مجامع الكنيسة الرومانية، ولا سيما المجمع التريدنتيني. وكان البطريرك والأساقفة قد رفعوا عريضة الى قداسة البابا اكلمينضوس الثاني عشر يطالبون بإيفاد السمعاني اليهم ليصلح ما يكون قد »تدرج الى التهذيب البيعي من أشياء نادرة عن وضعه وبهائه الاولين ولم يكونوا ليؤملوا إصلاحها من ذات أنفسهم« (المنارة ص 86).

واذا ما نظرنا الى فهرس المجمع بانت لنا وفرة الموضوعات التي عالجها.

فانه يُقسم الى أربعة أقسام: القسم الأول، وفيه خمسة أبواب، يتطرق الى الايمان الكاثوليكي والتعليم المسيحي والتبشير بكلام الله وطبع الكتب واستعمالها، والى الاعياد والأصوام والاستغاثة بالقديسين، وتكريم الذخائر والصور. القسم الثاني وفيه أربعة عشر باباً، يتطرق الى الأسرار والغفارين والمحفوظات والتأديبات. القسم الثالث وفيه ستة أبواب، يتناول الخدام والقسوس والرؤساء وامتيازات السيد البطريرك والمحاكم. القسم الرابع وفيه سبعة أبواب، يتناول الكنائس والمدراس والأديار والترتيبات المجمعية.

أما ذيل المجمع فيحتوي على ثلاثة وأربعين فصلاً تتناول موضوعات مختلفة من غفرانات ورسائل بابوية وقوانين أديار ومدارس وأعياد وأصوام. ولقد أثبتت في الكتاب أيضاً الرسائل المجمعية.

إن هدفنا من ايراد هذه العناوين هو الحثّ على مطالعة نصوص المجمع للوقوف على ما فيها من كنوز وتدابير وتوجيهات يتّسم بعضها بالرؤى النبوية، ولا سيما تلك المتعلقة بالتربية.

وبالرغم من كل ما قيل في هذا المجمع، فانه لا يزال موضوع بحث ودراسات وتحليل لأكثر من باحث. وهذا دليل على ما شكل هذا المجمع من نقلة نوعية في حياة كنيستنا، لا تزال آثارها بيّنة في تاريخنا.

غير أنه يجب الاعتراف بأن التجديدات التي ادخلها المجمع تطلبت وقتاً طويلاً لتدخل حيّز التنفيذ. وهذا ما استدعى عقد مجامع لاحقة.

9.       لقد عقدت ثلاثة مجامع في عهد البطريرك سمعان عواد: الأول سنة 1744 في بقعاتة، كسروان، والثاني سنة 1747 والثالث سنة 1755 عقدا في قنوبين. وعقد مجمع سنة 1756 في بقعاتة كسروان دعا اليه البطريرك طوبيا الخازن.

كما عقد مجمع في دير ميفوق سنة 1780 بطلب من القاصد الرسولي وبرئاسة النائب البطريركي المطران ميخائيل الخازن. أما البطريرك يوسف اسطفان، فلقد دعا الى عقد ثلاثة مجامع، أولها سنة 1768 في دير مار يوسف الحصن في غوسطا، وثانيها سنة 1786 في عين شقيق في وطا الجوز، وثالثها في بكركي سنة 1790.

وانعقد في القرن التاسع عشر مجمعان، أحدهما في دير سيدة اللويزة سنة 1818 في عهد البطريرك يوحنا الحلو، والثاني سنة 1856 في عهد البطريرك بولس مسعد.

ان المجامع التي عقدت بعد المجمع اللبناني بناء على طلب الكرسي الرسولي نفسه كانت في مجملها لتطبيق مقررات المجمع اللبناني ولا سيما ما يتعلق بالأبرشيات وتحديد صلاحيات المطارنة وواجبات خوارنة الرعايا والرهبان والراهبات واستعمال الكتب الطقسية وغيرها.

10.     لم تعقد مجامع بعد أواسط القرن التاسع عشر؛ وسبّب هذا الانقطاع فجوة كبرى في التدبير الكنسي الذي كان متبعاً، بناء على قرارات مجمعية سابقة.

وبدأت أصوات كنسية وعلمانية تطالب بعقد مجمع ماروني جديد منذ أوائل القرن العشرين. ففي سنة 1921 رفع المطران بشاره الشمالي تقريرًا الى البابا بندكتوس الخامس عشر يطلب فيه »تأسيس اكليريكية مركزية مارونية...«. ويبين ضرورة هذه المؤسسة الى أن يصل الى فكرة المجمع فيضيف: »...هذه الاكليريكية ستؤمن الحياة لكنيستنا المارونية وستكون بمثابة قاعدة لاصلاح جذري وستساهم في تحضير مجمع لبناني جديد حيث القضايا القانونية والتنظيمية والطقسية توضح وتضبط وتطبّق على الحاجات الجديدة«.

»فيكون من السهل جداً، بعد تأسيس الاكليريكية المقترحة، تعيين عدة لجان من بين الهيئة التعليمية تعطى مهمة دراسة مواضيع التنظيم والليتورجيا والحق القانوني، دراسات تكون بمثابة تصميم يعرض للتشاور في المجمع«.

»كما تكون الفرحة كبيرة اذا استطعنا، في سنة 1936، بمناسبة اليوبيل المئوى الثاني للاحتفال بالمجمع اللبناني، أن نعقد مجمعاً ثانياً يكون فجر حياة جديدة والتكملة الضرورية لمجمع سنة 1736« (مجلة رابطتنا عدد 6 أيار 1986: ص 13ـ21).

واذا ما تتبعنا مؤتمرات الرابطة الكهنوتية والتجمعات الاكليريكية والعلمانية والمنشورات والبيانات التي أصدرتها، فانها كانت كلها تطالب بالتحديد وتعرض للموضوعات التي يجب معالجتها. وبرزت هذه المطالبة بنوع خاص بعد المجمع الفاتيكاني الثاني وما أحدثه من إعادة نظر في شؤون الكنيسة على مستوى عالمي، تردد صداها عندنا في كتاب وجّهه أكثر من مئة كاهن الى السلطة الكنسية عمره ثلاثون سنة جاء فيه: »... تبين لنا أن خير وسيلة للقيام بالاصلاح والتجديد الذي تريدونه ونريده معكم ويتوق اليه شعبنا المسيحي، هي في عقد مجمع على غرار المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني«. ويورد الكتاب لائحة بالموضوعات الملح درسها (22/1/1973).

وتبلورت هذه الافكار والاقتراحات على اثر ندوات قامت بها حركة »كنيسة من أجل عالمنا«، في مشروع متكامل قدّمته أواخر سنة 1982.

وفي عدد »المنارة« الذي صدر سنة 1983، كتبنا مقالاً عن »أثر المجامع الطائفية في حياة الكنيسة المارونية«، ختمناه بما يلي:

»قد انقضى قرن وربع قرن على انعقاد آخر مجمع. وكانت قد بدت في الافق بوادر تشير بعيد الفراغ من المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الى أن الحاجة باتت تدعو الى إعادة نظر في كثير من الشؤون الكنسية عن طريق عقد مجمع ماروني. غير أن الاحداث التي توالت على لبنان ولا تزال تتوالى، حالت دون تحقيق هذه الامنية. فعسى أن تزول المحنة ويعود لبنان الى ما يصبو اليه أبناؤه من أمن وسلام، ويهبّ الروح ليتجدد فيه وجه الأرض« (المنارة صفحة 10).

وبعد انتخابنا بطريركاً سنة 1986 كررنا القول على مسامع أبنائنا الرهبان الذين توافدوا للتهنئة، وطالب حضرة رئيسهم العام بالمجمع: »...والأماني كثيرة وقد تكاثر غبار الزمن على الكثير من مؤسساتنا وتقاليدنا وعاداتنا. وبعد انقضاء مائتين وخمسين سنة، آن الاوان لكي ننفض الغبار ونعيد النظر في الكثير من شؤوننا. واننا نرحب بالفكرة ]الدعوة لعقد مجمع عام[ ولكن يجب لها إعداد وان نضمن لها الموآزرة من المجمع ولا سيما بركة صاحب القداسة البابا يوحنا بولس الثاني« (النهار 4/5/86).

ونظراً الى كل ما أسهبنا في عرضه، وما ورد من دعوات الى التجديد، سواء أكان في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، أم في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية أو المجامع الاسقفية التي عقدت على كل المستويات وفي شتى البلدان، كان لا بدّ من المباشرة بعقد مجمع جديد. وهذا ما توافقنا عليه مع اخواننا السادة الاساقفة.

ثالثاً : المجمع البطريركي الماروني

I. نظرة تاريخية

11.     سنة 1985 أطلقت الرابطة الكهنوتية التي كانت مجتمعة في مدرستنا الاكليريكية في غزير في رياضتها الروحية السنوية التي كان مرشدها حضرة الخوري يواكيم مبارك »مشاورة راعوية في سبيل مسيرة مجمعية مارونية«، طرحت فيها أسئلة على عيّنة كبيرة من المؤمنين شملت فكرة المجمع وموضوعاته. ورفعت الينا حصيلة الدراسة سنة 1987، فقررنا في مجمعنا المنعقد في حزيران من السنة نفسها تشكيل لجنة مجمعية برئاسة المثلث الرحمة المطران يوسف الخوري وعضوية المطارنة جون شديد ويوسف بشاره وبشاره الراعي. وكلّفناها »درس الظروف الموآتية وتهيئة الاجواء لعقد مجمع ماروني عام لاعادة النظر في الشؤون الكنسية«.

عملت اللجنة بموآزرة مندوبين من الابرشيات والرهبانيات وخبراء اكليريكيين وعلمانيين وعيّنت الخوري يواكيم مبارك أميناً عاماً يساعده الخوري منير خيرالله.

قدّمت اللجنة حصيلة عملها الى مجمعنا البطريركي في حزيران 1988. فأثنينا عليه، وكلفناها أن تبدأ بأعمالها التحضيرية بعد أن أنهت المرحلة التمهيدية.

12.     وانكبّت اللجنة على وضع التصميم النهائي للملفات التي يجب درسها وعكف الخبراء على كتابة النصوص واعادة صياغتها أكثر من مرة. وكانت تطلعنا سنة بعد سنة على حصيلة العمل حتى حزيران 1991.

13.     في 12 حزيران 1991، أعلن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني الدعوة الى عقد جمعية خاصة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان. وهذا ما اضطر اللجنة الى تجميد أعمالها موقتاً كي تنصبّ الجهود لنجاح المجمع الجديد والافادة من نتائجه في وضع النصوص للمجمع الماروني المقبل. في هذه الأثناء فقدت اللجنة رئيسها في 2 شباط 1992 وعيّن قداسته المطران بشاره الراعي منسقاً للسينودس.

غير أن مجمعنا، حرصاً منه على متابعة أعمال المجمع الماروني التحضيرية، عيّن في حزيران سنة 1992 لجنة جديدة برئاسة المطران يوسف بشاره وعضوية المطارنة جون شديد وأنطوان حميد موراني وبولس مطر. انضمّ اليهم فيما بعد المطران فرنسيس البيسري.

14.     وبعد الانتهاء من أعمال السينودس واعلان الارشاد الرسولي: »رجاء جديد للبنان« في 10/5/1997 عاودت اللجنة اجتماعاتها الشهرية مع أمانة عامة جديدة قوامها الخوري منير خير الله والخوري ريشار أبي صالح والأب بولس روحانا. فعاودت الاتصال بالخبراء ووضعت منهجية العمل التي تقضي بإقرار النصوص في اللجنة المركزية ومن ثم إرسالها الى الاساقفة والرؤساء العامين والرئيسات العامات والاكليريكيات والجامعات لدرسها في لجان مصغّرة وابداء الملاحظات ليعيد واضعو النصوص صياغتها.

وفي كل سنة كانت اللجنة تزوّد مجمعنا في حزيران بتقرير عن سير أعمالها والتقدم الحاصل فيها. كما وافتنا في حزيران 2000 بالملف الأول من ملفات المجمع.

15.     ولقد بان للجنة التحضيرية أن طرح بعض الموضوعات يثير اشكالات يجب تسليط الاضواء عليها وتوضيحها قبل انعقاد المجمع. فعقدت ندوتين: الاولى تناولت اشكالية الهوية والانتماء في الكنيسة المارونية بين موارنة النطاق البطريركي وموارنة الانتشار. والثانية تناولت هيكلية الكنيسة المارونية والعلاقات المتبادلة فيها بين السلطة والرهبانيات، قدّمنا فيها مداخلة بعنوان »رؤية مستقبلية لهيكلية الكنيسة المارونية«.

16.     بعد أن استكملت اللجنة التحضيرية معظم الملفات وأرسلتها الى المعنيين بها وعرضت علينا، في مجمعنا المنعقد في حزيران 2002، خطة عملها للسنوات المقبلة، وتدارسناها، قررنا افتتاح الدورة الاولى من المجمع في الاسبوع الأول والثالث من حزيران 2003، الذي سيعقد جلساته في دار سيدة الجبل ـ فتقا (كسروان)، على أن يحتفل بقداس الافتتاح والختام في كنيسة الصرح البطريركي في بكركي.

17.     ولقد عيّنا أعضاء اللجنة المركزية الموسعة التي تحل محل اللجنة المجمعية التحضيرية على الشكل التالي:

سيادة المطران يوسف بشاره رئيساً، والسادة المطارنة: رولان أبو جوده، شكر الله حرب، بشاره الراعي، بطرس الجميّل، فرنسيس البيسري، بولس مطر، سمير مظلوم، أنطوان نبيل العنداري، الأباتي فرنسوا عيد، الأب العام خليل علوان، الأباتي بولس التنوري، الخوراسقف كميل زيدان، المونسنيور منير خيرالله، الام دومينيك الحلبي، الخوري ريشار أبو صالح، الأب بولس روحانا، الأب سليم الدكاش، الخوري ناصر الجميّل، الأخت يارا متى، الاستاذ سيمون كرم والسيدة سيمون مبارك.

ومهمّة اللجنة متابعة الاعداد ومرافقة أعمال المجمع السابقة واللاحقة.

كما عيّنا سيادة رئيس اللجنة أميناً عاماً، يعاونه المونسنيور منير خيرالله والخوري ريشار أبو صالح والأب بولس روحانا في الشؤون التنفيذية والمجمعية، والأب خليل علوان في الشؤون التنظيمية والإدارية للجلسات المجمعية.

وقد فوّضنا الى الأمين العام دعوة من يجب دعوته الى المجمع وفقاً للقانون 143 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية.

ومن ثم وجّهنا الدعوة الى من يجب أن ندعوهم نحن الى المجمع.

وستُصدر اللجنة »دليل المجمع« الذي يحمل كل التفاصيل المتعلقة بالمجمع ومراحله وسير الأعمال فيه.

II. هوية المجمع وأهدافه

18.     ولقد استندنا الى الاطار القانوني الذي رسمته للمجمع مجموعة قوانين الكنائس الشرقية (ق 140ـ145). والمجمع البطريركي الذي يلتئم كل خمس سنوات (ق 141) »هو الهيئة الاستشارية لكل الكنيسة التي يرئسها البطريرك، وهو يساعد البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية في الامور ذات الاهمية الكبيرة، لتتلاءم أشكال الرسالة وأساليبها والنظام الكنسي مع ظروف الزمان والخير العام في الكنيسة الخاصة، مع مراعاة الخير العام في كل رقعة الأرض التي تتعايش فيها عدة كنائس تتمتع بحكم ذاتي« (ق 140).

إن المجمع، بمن يجمع من أساقفة وكهنة ورهبان وراهبات وعلمانيين، رجالاً ونساءً، وخبراء في مختلف الحقول، وإن يكن استشارياً من منظار قانوني، فله طابع رسمي. وللسلطة الكنسية المختصة أن توليه من الاهتمام والاعتبار وتعطي توصياته ما تستحق من صيغ قانونية حتى يكون لكل الكنيسة باعث نهضة وتجدد وراسماً لها معالم المستقبل.

19.     لذلك لا نتوقفنّ فقط على طابع المجمع القانوني، بل على طابعه الكنسي. انها المرة الاولى التي تجتمع فيها العائلة المارونية، يتوافد أبناؤها الى المقر البطريركي في لبنان، من أبرشيات النطاق البطريركي وأبرشيات الانتشار، القريبة والبعيدة، حاملين في قلوبهم وأفكارهم تراثاً جليلاً وآمالاً كبيرة. يلتقون حول بطريركهم، رأس كنيستهم ورمز وحدتهم وحاضنها، يتشاركون في الصلاة والتفكير والتباحث في شؤونهم مستشرفين المستقبل بثقة ورجاء، مرتكزين في ذلك على ايمانهم بالسيد المسيح، ومتمسكين بعرى آبائهم القديسين من مارون الى شربل ورفقا مروراً بقوافل الشهداء الأوفياء لربهم ولرسالتهم.

20.     وبذلك تواصل دعوات المجامع السابقة، المارونية منها والمسكونية ولا سيما الفاتيكاني الثاني. وهنا لا بدّ من التذكير بكل الأسس التي أرساها الارشاد الرسولي: »رجاء جديد للبنان« حتى تتجدد الكنيسة وتكون خميرة مصالحة وسلام، وداعية حوار ومحبة. ولقد دعا الارشاد كل كنيسة من الكنائس البطريركية لكي »تحافظ على تقاليدها، لأن لكل منها تراثاً ثقافياً خاصاً وتقاليد كنسية وليتورجية ولاهوتية وروحية وتنظيمية مميزة« (عدد 8). وفي موضع آخر يوضح بأن هذا التراث يستحق »لا الاحترام والصيانة وحسب، بل التثبيت والتشجيع« (عدد 21). وهو يدعو أيضاً الى تقييم متجدد للتقاليد المتصلة بالآباء والليتورجيا، خاصة في الكنائس الانطاكية ذات التقليد المشترك، لانه مقتضى حيوي لتجددها (عدد 41) وللحوار المسكوني والرسالة. ثم يقول صراحة بأن التقليد الانطاكي في جذوره الآرامية واليونانية، »قد انتقل عبر آباء الكنيسة والكتّاب الروحيين والليتورجيا الالهية ومثال الشهداء والقديسين والقديسات. ان الامانة لهذا التقليد تمكّن من عودة حقيقية الى الينابيع، يعمل الروح القدس بواسطتها لتجديد كل كنيسة خاصة وتطوير الشراكة بينها جميعاً (عدد 40). ولقد شدّد على اكتشاف التراث الانطاكي من جديد والتعمق فيه، في سبيل حوار مسكوني ناشط« (عدد 86).

21.     إن هذه الشواهد ترسم لنا حدود عملنا المجمعي وأهميته. فاننا لا نبغي في معالجة الموضوعات مقاربتها مقاربة لاهوتية عامة. لقد حُدّد لكل موضوع ثلاثة محاور، كان لا بدّ من التقيد بها قدر المستطاع:

محور أول، يردّنا الى الماضي، ومحور ثان يحلّل الواقع الراهن، ومحور ثالث يستشرف المستقبل ويقدم الاقتراحات.

وغاية اعتماد هذه المحاور أو هذه المنهجية هو تبيان مميزات كنيستنا وتراثها، لانها تدعّم هويتنا الكنسية وترسم لنا معالم رسالتنا، وتَقينا الانحرافات والعثرات، وترسخنا في التراث، دون تنكّر لما طرأ علينا من تطوير وتقدم.

ان جذورنا العميقة وتقاليدنا الراسخة تحفظنا من الضياع وتنزع منا القلق حيال المستقبل.

III. موضوعات المجمع

22.     لقد سبق وألمحنا الى المحاولات التي جرت لتقديم لوائح بموضوعات البحث. لقد افادت منها اللجنة التحضيرية، ومن آراء الناس الذين طالتهم المشاورة الراعوية. وتم التوصل الى وضع هيكلية لهذه الموضوعات التي وافق عليها مجمعنا. فصارت كما يلي:

المقدمة اللاهوتية

1.      كنيسة الرجاء ـ فعل إيمان من أجل عالمنا.

الملف الأول: هوية الكنيسة المارونية ودعوتها ورسالتها

2.      هوية الكنيسة المارونية.

3.       دعوة الكنيسة المارونية الرسولية والإرسالية.

4.       دعوة الكنيسة المارونية المسكونية.

5.       دعوة الكنيسة المارونية في علاقتها مع الإسلام والعالم العربي.

الملف الثاني: التجدّد الرعوي في الكنيسة المارونية

* في الأشخاص

6.      الكهنة في الكنيسة المارونية ــ كهنوتهم ودعوتهم وتنشئتهم وخدمتهم الرعوية.

7.       الحياة الرهبانية في الكنيسة المارونية.

8.       العلمانيون في الكنيسة.

9.       العيلة المارونية.

10.    الشبيبة.

* في الهيكليات

11.    البطريركية المارونية.

12.    المجمعية الأسقفية في الكنيسة المارونية.

13.    الرعية والعمل الرعوي.

* في المجالات الرعوية

14.    التعليم ـ الكرازة والتنشئة المستمرّة للبالغين العلمانيين.

15.    الليتورجيا.

الملف الثالث: الكنيسة المارونية في عالم اليوم

16.    الكنيسة المارونية في عالم اليوم.

17.    الكنيسة المارونية والسياسة.

18.    الكنيسة المارونية رسولة الحداثة.

19.    الكنيسة المارونية والإعلام.

20.    الكنيسة المارونية والشأن الاجتماعي.

21.    الكنيسة المارونية والقضايا الاقتصادية.

22.    الكنيسة المارونية والأرض.

الملف الرابع: قوانين الكنيسة المارونية وأنظمتها

23. قوانين الكنيسة المارونية وأنظمتها.

الملف الخامس: الكنيسة المارونية في انتشارها العالمي

24. الكنيسة المارونية في انتشارها العالمي (11 بلداً).

23.     ان استعراض لائحة الموضوعات المطروحة على ضمير المجمع يبين حجم التحديات التي تواجهنا والتي تتطلب منا جميعاً أن نتصدى لها بوعي وانفتاح ومسؤولية مشتركة. ولا نريد أن نستبق ما ستفضي اليه المناقشات والمداخلات التي سترد وتثري كل موضوع يبحث؛ غير أننا نود لفت الانتباه، منذ الآن، الى بعض الامور الملحة التي تستدعي منا التفكير والصلاة:

أ)  يطرح الملف الأول ثلاث قضايا هامة: الاولى تتعلق بالهوية الكنسية المارونية على الصعيدين التاريخي واللاهوتي. فلا تبنى هوية وتستمر إلا على أسس واضحة. لذلك لا بدّ من أبحاث تاريخية ولاهوتية مستمرة لا تقف عند حدّ المجمع، بل تنطلق منه فيكون لنا فيها ولأبنائنا، أينما وجدوا، ما يغذّي ايمانهم وانتماءهم، ويعضدهم في مسيرتهم التي تعود الى مئات السنين. الثانية ترتبط ببُعد كنيستنا الانطاكي وتراثها الجليل المشترك مع سائر الكنائس الانطاكية. وهذا البُعد يحتم علينا استثمار هذا التراث في مجالات عدّة ولا سيما المجال المسكوني. وحبذا لو يأتي يوم تلتئم فيه كنائسنا في مجمع انطاكي واحد! والثالثة هي علاقتنا بالعالم العربي والاسلام. وهذا الموضوع هو من الأهمية بمكان، وخاصة في الظروف الراهنة، بحيث يستدعي منا جميعاً تجنيد كل طاقاتنا حتى نسلط الاضواء على التاريخ والخبرة الحياتية المتعددة الوجوه، وعلى الواقع الراهن وتحدياته، وما يفترض فينا ان نقوم به من دور ونؤديه من رسالة حفاظاً على تجربة وقيم مشتركة، وترسيخاً للحوار واستبعاداً لكل تجريح واتهام وتطويراً للانسان ودفاعاً عن حقوقه وارساءً لأنظمة ديموقراطية في مجتمعاتنا التي ننتمي اليها انتماء عضوياً.

ب) ويطرح الملف الثاني الذي يتناول موضوع التجدد قضايا بنيوية وشؤوناً حياتية. في القضايا البنيوية، هناك مفهوم الكنيسة البطريركية وما يستدعيه من علاقات وثيقة بين الاساقفة والبطريرك في عملهم المجمعي الدائم من جهة، وبينهم وبين فئات المؤمنين، من اكليروس ورهبان من جهة ثانية. ان هذه العلاقات، المبنية على اسس كنسية واضحة، هي الكفيلة بأن تحقق ما نصبو اليه من وحدة في التفكير والعمل، مع المحافظة على ما تتمتع به كل فئة من استقلالية في تسيير شؤونها الداخلية. اننا نتنكر لهويتنا اذا ما ظنّ كل منا ان بامكانه أن يفكر ويعيش بمعزل عن الآخرين، وبانقطاع عن تراثه وتاريخه. أما الشؤون الحياتية فهي كثيرة؛ انما نشير الى ثلاثة منها: الأول مرتبط بالثقافة الدينية التي يجب أن تتوفر للبالغين حتى تمكنهم من جبه صعوبات الحياة بإيمان ومن القيام بدورهم، كخميرة في العجين، ونور للعالم. وتوفير الثقافة منوط بالاكليروس والشعب على السواء. وقد تكون وسائل الاعلام الدينية من السبل الناجعة لتحقيق ذلك. الثاني مرتبط بالتنشئة الاكليريكية في كل مراحلها، لأن الكهنة هم الذين يجسدون حضور الكنيسة ورسالة المسيح في الشعب. ولقد شكّلت هذه التنشئة محوراً أساسياً في اهتمامات كنيستنا. والثالث مرتبط بالشبيبة وما تواجهه من مصاعب في تأمين تثقيفها ومستقبلها، وما تطرحه من تساؤلات حول المصير. ان العناية بهذا القطاع من أولويات عملنا واهتماماتنا، وذلك ضماناً لمستقبلهم ومستقبل الكنيسة والوطن.

ج) أما الملف الثالث فهو حافل بالمشاكل الحياتية والتساؤلات. واولى المشاكل: الكنيسة والسياسة. وهذه المشكلة تتطلب فضح الالتباسات المتداولة والإشاعات المغرضة التي تصوّر موقف الكنيسة وكأنه تحيز وتحزب وانزلاق في المتاهات السياسية الفئوية. علماً أن الموقف هو تذكير بحقوق الانسان وكرامته، ودفاع عن الحريات، وتحذير من الأهواء الأنانية، ومناداة بسيادة الوطن واستقلاله وقراره الحرّ. وهذه مبادئ عامة تعلمها الكنيسة ووردت في الارشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" الذي تطرق الى الشأن الوطني بإسهاب. وهذا الشأن الوطني هو في برنامج هذه السنة في سياق الخطة الخمسية التي وضعتها لجنتنا البطريركية لتطبيق الارشاد. واننا نهيب بابنائنا السياسيين لكي يهتدوا بهذه التعاليم والتوجيهات، فتأتي خياراتهم وممارستهم السياسية خدمة للوطن والمواطنين، لا تلبية لرغبات وأغراض ومكايد لا تمتّ الى المصلحة العامة بصلة.

ولا تقلّ المشكلة الاجتماعية الاقتصادية أهمية عن المشكلة السياسية، علماً أن هناك ترابطاً وثيقاً بين الثلاث. من المؤكد أن دورنا يجب أن يبرز في هذا المجال، وإن لم يكن بإمكاننا أن نحلّ محل الدولة، ولا نرغب في الحلول محلّها. لقد قمنا بمبادرات، وسنتابع العمل مع الخيّرين والأكفّاء الكثر من أبنائنا حتى نضع خطة تنموية لاستثمار الطاقات الكنسية المادية والمعنوية لما فيه خير الكنيسة والشعب. ونثني على كل مبادرة، أتت من أفراد أو مؤسسات، مدنية ودينية، تسهم في تخفيف الأعباء الثقيلة عن كاهل المواطنين، وتساعد في توفير فرص العمل حتى يثبت أبناؤنا في وطنهم. والتشبث بالوطن، وخاصة في المحن، هو من أولى الواجبات، لا بل هو خيار مرتبط برسالتنا فيه، كما أعربنا عن ذلك أكثر من مرة في الرسائل التي اصدرناها واخوتنا بطاركة الشرق الكاثوليك. غير أنه لا بدّ من ان يعمد المسؤولون فيه الى توفير شروط الحياة الحرة والكريمة للافراد والمجموعات.

د) أما الملف الرابع فإنه يطرح القضايا القانونية والتنظيمية التي كان لها نصيب وافر في المجامع المارونية السابقة. ومع الاقرار بأهمية التنظيم والقوانين، فاننا لا نستطيع اليوم فصلها عن لاهوت الكنيسة وروحانيتها. حتماً هناك أمور تنظيمية وإدارية نصّت عليها القوانين على مستوى كل الهيكليات الكنسية، بما فيها أمانات سرّ فاعلة، يجب إنشاؤها وتفعيلها حتى تتحقق المشاركة! وكم من مجالس أوصت بها القوانين انما القوانين لا تخلق الحياة بل تنظمها وتسير بها على درب القداسة.

هـ) أما الملف الخامس فانه يتطرق الى مشكلة من أهم المشاكل التي تواجه الكنيسة والوطن ألا وهي هجرة أبنائنا التي تكثفت منذ ربع قرن ونيّف. هناك ترابط بين الهجرة والتهجير. فالتهجير أدّى الى هجرة داخلية ومن ثم الى هجرة خارجية. والهجرة، عندما تطول، تؤدي الى تقليص الروابط حتى الامّحاء، فتبدأ رحلة الغربة التي تمسّ الهوية والانتماء في الصميم.

وعلينا ككنيسة أن نبحث عن السبل الكفيلة التي تضمن لابنائنا المنتشرين المحافظة على تراثهم وعلى انتماءاتهم المتعددة لئلا يفقدوا هويتهم، فنخسرهم مرتين. وإن مشاركة المندوبين من أبرشيات الانتشار ومساهمة الاساقفة والكهنة الفكرية، وتوفير المعطيات الصحيحة عن الموضوع، يمكننا من الإحاطة بالمشكلة، ووضع خطة لمعالجتها حتى تعود بالفائدة على الجميع، مقيمين ومنتشرين، ونكتشف الطاقات الهائلة المتوفرة لدى ابنائنا المنتشرين، فيوظفوها كنسياً ووطنياً، حيث يقيمون، وحيث جذورهم راسخة في الأوطان التي انطلقوا منها.

رابعاً : المشاركة في المجمع

24.     لقد أوضح القانون 143 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية من هم الذين يدعون الى المجمع. فالى جانب الاساقفة والرؤساء العامين والرئيسات العامات ورؤساء الجامعات الكاثوليكية وعمداء كليات اللاهوت والحق القانوني، هناك كهنة ورهبان وراهبات وعلمانيون من كل الأبرشيات. ومشاركة العلمانيين ليست بجديدة علينا. فكل مجامعنا، على مرّ العصور، امتازت بحضور علماني فيها، وهذا دليل على مفهوم كنسي شرقي عريق وسليم وصحيح، يجب أن يبرز دائماً في حياتنا. هذا التنوع يدل على مساحة المشاركة المتاحة لعدد كبير من المواهب التي تستثمر لخير الكنيسة. واذا ما اضفنا الى هذا العدد الخبراء وواضعي النصوص واللجان التي شاركت في الاعداد، يبدو جلياً أن المجمع ليس عمل فرد أو مجموعة صغيرة، بل هو نتيجة مخاض شعب أجهد الفكر وجمع الخبرات وحمل الرجاء مجبولاً بالإيمان والصلاة وحبّ الكنيسة. فهو يسير بهدي الروح دون شطط، لان الهدف هو تالق وجه المسيح في وجه كنيستنا اليوم، التي تدخل الالفية الثالثة، واثقة بأن الرب يدعوها الى متابعة مسيرتها دون خوف أو تردد.

وبالرغم من هذه المشاركة الواسعة، فهناك كثير من أبنائنا يتمنون أن يكونوا من أعضاء المجمع. واننا إذ نقدّر هذه العاطفة لا بدّ لنا من التقيد بالقوانين التي تحدّد العدد، وإرشادهم الى سبل أخرى للمشاركة سنتحدث عنها، علماً أن لا فضل لمشارك على آخر، إلا بقدر مساهمته الفعلية، سواء أكان داخل المجمع أم خارجه؛ وبقدر انتمائه الكنسي الفاعل وحيوية ايمانه واشعاعه الروحي.

25.     ولحظ القانون أيضاً امكانية دعوة أشخاص من كنائس أخرى، كاثوليكية وغير كاثوليكية. وهذا ما نقوم به حفاظاً على المشاركة الكنسية بروح المحبة الاخوية والروح المسكونية، لاننا كنائس متصلة ومترابطة بالايمان الواحد والمصير الواحد، وعليها أن تجبه صعوباتها، ولا سيما الراعوية منها، بروح الانفتاح والتعاون لخير أبنائها.

وسندعو أيضاً مراقبين من أخوتنا المسلمين، كما حدث في أثناء انعقاد السينودس من أجل لبنان، اقتناعاً منا بمبدأ المكاشفة والصراحة والشفافية من جهة، ومن جهة ثانية بمبدأ المشاركة الصادقة في كل ما يعود بالخير لبناء الانسان في لبنان ولبناء الوطن. ان هذه المشاركة الرمزية تبرز مميزات لبنان الرسالة التي أشار اليها قداسة الحبر الاعظم غير مرة. كما تدلّ على ارادتنا المشتركة في ان نكون ونبقى ونعمل معاً، ولا سيما في مجمع كنسي تتجلى فيه خياراتنا كمؤمنين ومواطنين.

26.     لقد آن الاوان ان نحدثكم قليلاً عن العمل في قلب المجمع والوقت الذي سيستغرقه. ان نصوص الملفات توزع على المشاركين الذين سيدرسونها ويدلون بملاحظتهم عليها في الجلسات العامة التي تبدأ في أول أسبوع من حزيران المقبل. وسيخصص هذا الاسبوع لمداخلات المشاركين، وبعدها يعمد الخبراء في اللجان المختصة على دراسة الملاحظات في الاسبوع الثاني، الذي ينصرف فيه الاساقفة لرياضتهم السنوية. وفي الاسبوع الثالث تعرض الملاحظات على أعضاء المجمع. فاذا تمّ التوافق عليها، فانها تعتبر تعديلات يجب ادخالها في صلب النصوص.

وتختتم عندئذ الدورة الاولى من المجمع.

وفي الفترة الممتدة من تموز 2003 الى حزيران 2004، تعاد صياغة النصوص في ضوء التعديلات المقترحة، فتوزع من جديد على اعضاء المجمع.

وتعقد الدورة الثانية في الاسبوع الاول والثالث من حزيران 2004 لدرس النصوص من جديد واقرارها اذا نالت موافقة اعضاء المجمع.

غير أن هذه النصوص لن تصبح كنسية وقابلة للنشر الا بعد موافقة السلطة الكنسية المختصة.

ان كل هذه الامور مفصلة تفصيلاً كاملاً في »دليل المجمع البطريركي«.

27.     وهنا لا بد من توضيح بعض الامور دفعاً لأي التباس أو تأويل في غير محله.

أ) ان النصوص المطروحة للدرس والمناقشة ليست نهائية: انها مسودّات يصار الى تعديلها وفقاً للملاحظات التي ترد، فتؤدي الى الحذف أو الاضافة، أو التطوير. لذلك لا يمكن اعتبار النصوص، في هذه المرحلة، أنها نصوص رسمية، وبالتالي لا يجوز نشرها، وكأنها تعبر عن موقف الكنيسة الرسمي، لانها لا تزال في مرحلة الاعداد والبلورة. واذا نشرت في غير وقتها وتناولها الاعلام، قد تتعرض للتشويه والاجتزاء وتحريف موقف الكنيسة.

ب) ولرُبَّ متسائل يقول: لماذا لم تعتمد منهجية السينودس من أجل لبنان، الذي كانت له »خطوطه العريضة« التي طرحت بين أيدي الشعب فأبدى ملاحظاته عليها.

ان منهجية المجمع هي غير منهجية السينودس. فالسينودس بعد درس »الخطوط العريضة« يرتكز عمله على البحث في »ورقة عمل« تشكل جدول أعمال السينودس الذي يتبنى اقتراحات وتوصيات يرفعها الى قداسة البابا. وقداسته هو الذي يصدر حصيلة السينودس في »ارشاد رسولي« يستوحي التوصيات والاقتراحات التي رفعت اليه فيصبح نصاً رسمياً كنسياً وليس نصاً مجمعياً.

أما المجمع فينكب على دراسة نصوص يرفعها الى الاساقفة لاقرارها واعتمادها لتصبح نصوصاً مجمعية. لذلك تصاغ النصوص أولاً في لجان مختصة تدرسها لجنة مركزية وتقرها وترسلها الى اعضاء المجمع لابداء الملاحظات، فتصاغ من جديد ويدرسها أعضاء المجمع ويقرّونها. وهذا هو الاسلوب المتبع في المجامع.

ج) غير أن هذه المنهجية لا تعني إلغاء دور الشعب ومشاركة المؤمنين. فكيف تتم اذاً هذه المشاركة التي نقوم بها جميعاً أكنا داخل المجمع أم خارجه؟

28.     هناك ثلاث طرق للمشاركة:

1.     الصلاة لاجل نجاح المجمع. وهي عنصر أساسي لاستلهام الروح القدس والاستنارة بوحيه، لانه هو الذي اعتمد عليه الرسل في أول مجمع عقدوه في اورشليم. وتعرفون جميعكم كم كان للصلاة من دور في نجاح السينودس من أجل لبنان. هذه الصلاة التي رفعها افراد وجماعات في العائلات والمدارس والأديار والرعايا. وهذا ما نأمل أن يتم حيال مجمعنا المقبل.

2.     ويرافق الصلاة توبة الى الله لاكتشاف ارادته والعمل بها، ليس فقط على الصعيد الفردي، بل على الصعيد الجماعي الكنسي. لان المجمع عمل مشترك هدفه التجدد، ولا تجدد بدون عودة الى الله ومسلك قويم يعتمد مبادئ الانجيل وتعاليم الكنيسة.

3.     تأتي المشاركة الفكرية تتويجاً للمشاركة الروحية. وتتم المشراكة الفكرية من خلال التعمق في الملفات المطروحة وما تنطوي عليه من موضوعات، وذلك عبر محاضرات وندوات لكل فئات المؤمنين، وعلى مستوى مؤسساتنا التربوية والرعوية. ومن المرغوب فيه جداً أن يتقدم ذوو الاختصاص بدراسات رصينة من أمانة سر المجمع العامة حتى يستنير بها المشاركون في المجمع وفي اعداد النصوص.

واننا نهيب باللجنة الاعلامية المجمعية أن تواكب هذا العمل لترشد الى افضل السبل لتحقيق هذه الغايات، وتجند الطاقات على أنواعها تحاشياً لأي انزلاق وتصويباً لأي خطأ وحفاظاً على الروح المجمعية الكنسية.

ولا يسعنا إلا أن نحث الجميع في الأبرشيات والرهبانيات والمؤسسات على أنواعها لانشاء لجان للدرس والصلاة.


خـاتمـة

إن المجمع مسيرة تندرج في مسيرة التجدّد الكنسي التي درجت عليها كنيستنا منذ عدة قرون. وللتجدد أسسه وأساليبه ودوافعه. والمسيرة لن تتوقف. ونكرر ما قاله قداسة البابا في الارشاد الرسولي »رجاء جديد للبنان«: »ان هذه الوثيقة (الارشاد) تعطي مبادئ للتفكير، وتوجيهات للتجدد، واقتراحات عملية. وبامكانها أن تكون لكم في السنوات المقبلة دليلاً لتجدد دائم... عليكم أن تكملوا التفكير المقترح... لا تعتبروا اطلاقاً أن السينودس قد انتهى مع نشر هذا الارشاد الرسولي. اني اوصيكم بالحاح أن تسعوا بكل الوسائل ليحظى هذا الارشاد بقبول اخوي فاعل، ومن ثم بتطبيق ما أعرضه عليكم فيه... واصلوا تحكيم العقل الناقد، وكونوا طيّعين لعمل الروح القدس واستلهموا انجيل ربنا يسوع المسيح. وهكذا يكون المسيح حقاً رجاءكم، يجددكم روحه القدوس. اذّاك، تستمرون معاً في الشهادة لمحبته« (عدد 7).

وبعد، فالغاية من كل مجمع، وبخاصة من هذا المجمع إعادة النظر في المسلك الذي سلكناه مع الله وفيما بيننا على وجه التحديد إبّان الحروب التي اشتعلت نارها على أرضنا، وفي السنوات التي تلتها. ونظرة سريعة الى ما كان بيننا، والى ما هو قائم اليوم توجب علينا، اذا كنا صادقين مع نفوسنا ومع وطننا أن نضرب صفحاً عن الماضي، وان نوثق أواصر التعاون فيما بيننا لنخرج من الازمة الحادّة التي تواجهنا. وليس منا من يجهل أن ايماننا المسيحي كان خشبة الخلاص لآبائنا وأجدادنا الذين اعتصموا في هذه الجبال، وهو لنا مثلهم خشبة الخلاص، وإن تبدّل الزمن، وتغيرت الاحوال. وإنّا نأمل أن يحفز هذا المجمع الارادات على اتباع السبيل القويم وإيثار المحبة على التنافر، والتقيد بتعاليم كنيستنا المارونية التي ما زالت تواكب مسيرتنا منذ ما فوق ثلاثة عشر قرناً.

كما نأمل أن يوفر المجمع لكنيستنا وأبنائها المقيمين في النطاق البطريركي وفي بلدان الانتشار انطلاقة جديدة راسخة وثابتة في جذورنا التاريخية ومتطلعة برجاء كبير الى المستقبل. ان التمسك بأصالتنا وتراثنا لا يبغي التقوقع على ذواتنا، بل يضمن لنا استمرارية الحياة والشهادة حيث نعيش، منفتحين على كل جديد يدفعنا الى الامام دون أن يسلبنا مقومات الحياة الحرة الكريمة فلا يغرّبنا عن ذاتنا وعن الالتزام بقضايا عصرنا ومحيطنا.

اننا نضع هذا المجمع تحت حماية أمنا العذراء التي رافقتنا في مسيرتنا التاريخية ودفعت عنا الكثير من الاذى ورسّختنا في محبة ابنها ومحبتها رغم كل الصعوبات.

ولنا في قديسينا على مر العصور، ولا سيما في مار مارون ومار شربل والقديسة رفقا والطوباوي نعمة الله معالم هداية على درب القداسة التي دعانا اليها الرب لنعيشها معاً متساندين ومتعاضدين في كنيسته التي لا يزال ينفحها بروحه القدوس.

 

     الكاردينال

نصر الله بطرس صفير

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

 بكركي في 9 شباط، عيد مار مارون 2003