في المجمع ألبطريركي

الماروني

وهي

الرسالة الثامنة عشرة التي يوجّهها نيافة الكاردينال

مار نصر الله بطرس صفير

بطريرك انطاكية وسائر المشرق

الى

أبنائه الموارنة اكليروساً وعلمانيين

في مناسبة الصوم الكبير

2003


بنعمة الله
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق

إلى جميع إخواننا المطارنة وجميع أبناء كنيستنا، إكليروساً وعلمانيين،

 
أيها الاخوة والأبناء الأعزاء،
السلام والبركة الرسولية،

نخصّص رسالتنا هذه السنة، التي نصدرها في مناسبة الصوم الكبير، للمجمع البطريركي الماروني الذي ستبدأ دوراته في الاسبوعين الأول والثالث من حزيران المقبل. وبما أن المجمع كما نصّت عليه القوانين الكنسية ودعت اليه، هو عمل كنسي بامتياز، فإن جميع المؤمنين، من اكليروس وعلمانيين، هم معنيون به، وإن بدرجات متفاوتة. مما لا شكّ فيه أن هناك خبراء واختصاصيين يجتهدون في وضع النصوص التي يتم التداول فيها ومناقشتها حتى تصبح نصوصاً مجمعية يمكن اعتمادها؛ ولكن الصحيح أيضاً أن الكثيرين يسهمون بطريقة أو بأخرى في بلورة النصوص النهائية. ولذلك يعتبر العمل المجمعي عمل الكنيسة بكل فئاتها؛ فلا يقتصر على أفراد من الاكليروس.

ونظراً الى أهمية المجامع في الكنيسة الجامعة بصورة عامة، وفي كنيستنا بصورة خاصة، كان لا بدّ لنا في هذه الرسالة من أن نحدثكم عن:

1.      المجامع في الكنيسة.

2.      المجامع في كنيستنا المارونية.

3.      المجمع البطريركي الماروني:

أ.   نظرة تاريخية.

ب. هوية المجمع وأهدافه.

ج. موضوعات المجمع.

4.      المشاركة في المجمع.

أولاً : المجامع في الكنيسة

1.       إن عقد المجامع ملازم لنشأة الكنيسة. هذا ما يخبرنا عنه كتاب أعمال الرسل في الفصل 15 الذي يروي قصة الجدل الذي وقع بين المسيحيين الأوائل الذين رأى قسم منهم، من أصل يهودي، أن حفظ ناموس موسى بما فيه الختان، يجب أن يُفرض على الجميع حتى على المرتدّين من الوثنية. »فاجتمع الرسل والقسس لينظروا في المسألة« (15/6). وحسم بطرس ويعقوب الجدل. وكتبت عندئذ أول رسالة مجمعية تبدأ كالتالي:

»الرسل والقسس والاخوة، الى من في انطاكيا وسوريا وكيليكيا، الاخوة من الأمم، سلام (15/23) وتحدّد الرسالة ما يجب أن يتمسك به المسيحيون الذين تحرروا من الناموس القديم ونالوا الخلاص بايمانهم بالمسيح. والبارز في هذه الرسالة هو تشاور الرسل والكهنة والاخوة في قضية مطروحة، وحسمها بروح المشاركة وبعون الروح القدس«. (أعمال الرسل 15/23ـ29).

2.       ونسجاً على هذا المنوال، توالى عقد المجامع في الكنيسة التي كانت تهدف الى تحديد العقيدة المسيحية، وتوضيحها وصونها من الأضاليل والهرطقات التي كانت تنساب اليها، لتنحرف بها وتشوهها.

فالمجامع المسكونية التي عقدت في القرون الثمانية الاولى للمسيحية هي سبعة. وأهمها مجمع نيقية (سنة 325)، والقسطنطينية الأول (381) وأفسس (341) وخلقيدونية (451)؛ ولقد حدّدت وأوضحت مضامين الايمان بالله الآب والابن والروح القدس، وعدّدت الحقائق الاساسية للعقيدة المسيحية كما وردت في قانون الايمان الذي لا نزال نتلوه في القداس والاحتفالات.

ولا مجال هنا لذكر المجامع كلها، إنما لا بدّ من الاشارة الى مجمعين طَبَعا حياة الكنيسة بطابع مميز ومستديم، ألا وهما المجمع التريدنتيني والمجمع الفاتيكاني الثاني، اللذين كان لهما تأثير كبير في كنيستنا كما سنبيّن ذلك.

عقد المجمع التريدنتيني في مدينة ترانت الايطالية سنة 1545، وامتدت أعماله على حوالي عشرين سنة في دورات ثلاث. وكان الدافع اليه مواجهة حركة الاصلاحيين التي قادها لوثر وكلفينوس، ونقضت الكثير من المعتقدات المألوفة، في ما يخصّ الأسرار وتفسير الكتاب المقدس والسلطة الكنسية، والقوانين وموضوعات أخرى. لذلك عمد المجمع الى درس هذه الموضوعات، فحدّد عقيدة الكنيسة وحرم كل من يناقضها. وقاد حركة إصلاحية حقيقية، أحدثت نهضة كنسية شملت معظم الكنائس في العالم. وكان من نتائجها علينا إنشاء المدرسة المارونية في روما لتنشئة الاكليروس سنة 1584، وفيما بعد عقد المجمع اللبناني سنة 1736 في دير سيدة اللويزه، الذي سنعود اليه لاحقاً.

أما المجمع الفاتيكاني الثاني، وهو الأقرب الينا، فقد عقد من سنة 1963 الى 1965 وبدأت الدعوة اليه والتحضيرات له منذ سنة 1959، بعد تولي قداسة البابا الطوباوي يوحنا الثالث والعشرين السدّة البطرسية. ولقد أراد قداسته أن يكون هذا المجمع راعوياً ومسكونياً، يعمل على تجديد الكنيسة من الداخل وفي علاقتها مع العالم الذي تعيش فيه ويسعى سعياً جاداً الى وحدة المسيحيين. ولذلك لم يكن هدفه مواجهة بدع جديدة أو إدانة تعاليم مضادة. ويُعتبر هذا المجمع من أهم أحداث القرن العشرين، أقله على الصعيد الكنسي. ولإدراك كل أبعاده، لا بدّ من العودة الى نصوصه الرائعة التي أرست معالم واضحة للتفكير والعمل الكنسي. وتجدر الاشارة الى أهم هذه المعالم ومنها مفهوم الكنيسة كشعب الله ودور العلمانيين فيها وعلاقتها بسائر المسيحيين وبالديانات الاخرى ورسالتها في العالم وموقفها من كل القضايا المطروحة. ولقد كرّس المجمع التجديد الليتورجي وعزّز العمل المسكوني ودعا الى التجديد في كل مجالات الحياة الكنسية.

3.       هذه بعض نماذج من المجامع التي عقدت قديماً وحديثاً. وهي مجامع مسكونية لأنّها تتمّ بناء على دعوة يوجهها البابا الى كل أساقفة العالم الكاثوليكي ويرأسها هو شخصياً أو من ينوب عنه؛ وتصبح مقرراتها ملزمة لجميع أبناء الكنيسة بعد أن يكون قد وافق عليها، وأعلنها.

وهناك مجامع إقليمية تعقد بموافقة رأس الكنيسة تتناول مسائل تتعلق بمنطقة معيّنة يتدارسها أساقفتها ويتخذون المقررات المناسبة بشأنها بعد أن تنال موافقة الكرسي الرسولي.

وهناك أيضاً المجامع المحلية التي تعنى بالقضايا التي تطرح على صعيد كنيسة خاصة أو أبرشية معيّنة. فتدعى مجامع بطريركية أو أبرشية. ويجب أن تنال المجامع البطريركية موافقة مجمع أساقفة الكنيسة البطريركية، وكذلك المجامع الأبرشية يجب أن تحظى بموافقة مطران الأبرشية.

4.       ان القوانين الكنسية تعتبر أن المجامع، عندما تعقد بدعوة من الرئيس الكنسي الذي له حق في الدعوة اليها، هي السلطة العليا في الكنيسة بالانسجام التام مع سلطة البابا ودون انتقاص منها. وبما أنه من المتعذر أن يعقد مجمع مسكوني بصورة دورية، فلقد اعتمدت الكنيسة الكاثوليكية صيغة جديدة وهو سينودس الأساقفة الذي يدعو اليه البابا ممثلين عن المجالس الأسقفية الكاثوليكية في العالم، فيلتئم دورياً كل ثلاث سنوات لدرس موضوع معيّن على صعيد الكنيسة أو على صعيد منطقة أو بلد معيّن (مثلاً السينودس من أجل لبنان). وليس لهذا السينودس صفة تقريرية، انما يرفع توصيات الى قداسة البابا الذي يستنير بها ليصدر إرشاداً رسولياً يتضمن جوهر هذه التوصيات ويعلن تعليم الكنيسة في الموضوع الذي تدارسه آباء السينودس.

ولقد دعا المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني أساقفة بلد معيّن أو منطقة معيّنة الى الاجتماع دورياً، (ق غ: 447ـ459) أقلّه سنوياً، لتدارس شؤون بلدهم أو منطقتهم. ولقد أناط بهم عقد المجامع المحلية أو الاقليمية، وفقاً لحاجة الكنائس، بعد موافقة الكرسي الرسولي. ولقد لحظت مجموعة قوانين الكنائس الشرقية عقد المجامع البطريركية أو الأبرشية، في القوانين التالية: 140ـ145 (مجمع بطريركي)؛ 235ـ242 (مجمع أبرشي).

غير أن الدعوة الى عقد المجامع قديمة جداً في الكنيسة. فمنذ أوائل القرن الرابع، من مجمع نيقية سنة 325، الى أيامنا، هناك إلحاح وإلزام بعقد هذه المجامع. ولقد ذكّر المجمع اللبناني سنة 1736 بسلسلة طويلة من توصيات هذه المجامع، منتهياً الى القول: »يجب أن لا يهمل عقد مجامع الأبرشية في كل من أبرشيات الأساقفة أو رؤساء الأساقفة، ثم عقد المجامع الاقليمية التي يلتئم فيها الأساقفة ورؤساء الأساقفة لدى السيد البطريرك السامي الاحترام للنظر في تهذيب الآداب وإصلاح الخلل وتسوية المنازعات وغير ذلك مما ترسمه القوانين المقدسة«. وحدّد المدة الفاصلة بين مجمع وآخر بثلاث سنوات (المجمع اللبناني، في الأساقفة، عدد 29).

5.       ويتبادر الى الذهن سؤال: لماذا هذا التشديد على عقد المجامع؟

نودّ ألاّ نتوقف على الأسباب البديهية المتعلقة بالأمور التنظيمية والتدبيرية التي تستدعي التشاور والقرارات المشتركة. انما نعود الى الاسباب العميقة التي تتعلق بجوهر الكنيسة ورسالتها.

ان الكنيسة تجسّد استمرارية حضور المسيح وعمله، وتلتئم بدعوة من المسيح، رئيسها غير المنظور، وتعمل بهدي روحه القدوس. ولذلك هي تتابع رسالته المثلثة، رسالة التعليم والتقديس والتدبير. وعندما تجتمع الكنيسة، فالرب حاضر فيها؛ وهي تستحضره وتستلهم الروح القدس في كل أمر تبحث فيه. وتتجلى مواهب الروح في الكنيسة عندما يضع كل من أعضائها موهبته في سبيل البنيان. وهذا ما عبّر عنه بولس الرسول في رسالته الاولى الى أهل كورنتس في الفصل 12، مشبهاً الكنيسة بالجسد الذي يتعاون فيه جميع الاعضاء، وفقاً لموهبة كل واحد. وهذا ما ورد في قوله في رسالته الى أهل روما: »لأنه كما لنا أعضاء كثيرة في جسد واحد، وليس لجميع الاعضاء عمل واحد، كذلك نحن الكثيرين، فإننا جسد واحد بالمسيح، وكل واحد منا عضو للآخر ولكن لنا مواهب مختلفة، بحسب النعمة التي وهبت لنا...« (روما 12/4ـ6). فالمجامع، أيًّا كان نوعها، تجمع هذه المواهب الروحية المتعددة والمتنوعة والمتفرقة، وتستثمرها لخير الجسد، أي الكنيسة، المنتشرة في كل مكان. ولذلك يعضدها الروح وينيرها في بحثها ومناقشاتها وتوصياتها وقراراتها حتى تأتي بما فيه فائدة الجميع. ولهذا السبب اعتبرت المجامع المسكونية التي يدعو اليها ويقرّها قداسة البابا معصومة عن الخطأ في ما يتعلق بالعقيدة والآداب المسيحية.

ومن هذا المنطلق الكنسي المتنوع عقدت المجامع تعبيراً عن شمولية الكنيسة وجامعيتها، وتوضيحاً لايمانها، وصوناً لمعتقداتها، ورسماً لسلوكية أبنائها، ولأدوارهم فيها، وتحديداً لعلاقاتها بما ومن يحيط بها. وفيها تتجلى بصورة رائعة رسالة التعليم التي أناطها الرب يسوع بكنيسته قبيل صعوده الى السماء.

ثانياً : المجامع في كنيستنا المارونية

6.       وأفادت كنيستنا المارونية من خبرة الكنيسة الجامعة في هذا المضمار، فكانت لها مجامعها، بدءاً من القرن السادس عشر. ويشكل المجمع اللبناني الذي انعقد سنة 1736 في دير سيدة اللويزه المحور الأهم فيها، نظراً الى شمولية الموضوعات التي عالجها والنتائج الواسعة التي انعكست على حياة الكنيسة. لذا قبل التطرق اليه لا بد من القاء نظرة، ولو سريعة، الى المجامع التي عقدت قبله ثم الى التي تلته.

7.       لقد انعقد في القرن السادس عشر سبعة مجامع، أهمها أربعة: مجمع سنة 1580 في عهد البطريرك مخايل الرزي، مجمعان سنة 1596 في عهدي البطريركين سركيس الرزي ويوسف الرزي، ومجمع سنة 1598 في عهد البطريرك يوسف الرزي نفسه. والثلاثة الباقية عقدت سنة 1557 في عهد البطريرك موسى العكاري، وسنة 1569 وسنة 1587 في عهد البطريرك مخايل الرزي. جميع هذه المجامع انعقدت في الكرسي البطريركي في قنوبين ما عدا مجمع سنة 1598 الذي انعقد في كنيسة مارت مورا في ضيعة موسى، وهي محلّة من اهدن.

في القرن السابع عشر التأم مجمع واحد سنة 1644 في حراش في عهد البطريرك يوسف حليب العاقوري، (المونسنيور جوزف فغالي: تاريخ قانون الكنيسة المارونية) (مجلّة المنارة 1983 العدد الأول: العدد بكامله مخصص للمجامع المارونية).

أهم هذه المجامع كان مجمع سنة 1580 الذي انعقد بحضور مندوبين عن الكرسي الرسولي، أحدهما الأب اليانو اليسوعي، الذي وضع النصوص نقلاً عن المجمع التريدنتيني، حتى تلتزم بها الكنيسة المارونية، تدليلاً على مطابقة عقائدها وأنظمتها وأسرارها على ما اعتمدته كنيسة روما. ويبدأ المجمع بعرض لمقومات الايمان الكاثوليكي، وأسرار البيعة السبعة، وأسفار الكتاب المقدس. ويقرّ المجمع، في ما يقرّ، بعقد مجمع كل ثلاث سنين (القانون التاسع).

8.       المجمع اللبناني الاقليمي سنة 1736 في عهد البطريرك يوسف ضرغام الخازن. انعقد بحضور القاصد الرسولي يوسف سمعان السمعاني الذي كان يحمل معه نسخة لاتينية لأعمال المجمع، وهي مستقاة من قوانين مجامع الكنيسة الرومانية، ولا سيما المجمع التريدنتيني. وكان البطريرك والأساقفة قد رفعوا عريضة الى قداسة البابا اكلمينضوس الثاني عشر يطالبون بإيفاد السمعاني اليهم ليصلح ما يكون قد »تدرج الى التهذيب البيعي من أشياء نادرة عن وضعه وبهائه الاولين ولم يكونوا ليؤملوا إصلاحها من ذات أنفسهم« (المنارة ص 86).

واذا ما نظرنا الى فهرس المجمع بانت لنا وفرة الموضوعات التي عالجها.

فانه يُقسم الى أربعة أقسام: القسم الأول، وفيه خمسة أبواب، يتطرق الى الايمان الكاثوليكي والتعليم المسيحي والتبشير بكلام الله وطبع الكتب واستعمالها، والى الاعياد والأصوام والاستغاثة بالقديسين، وتكريم الذخائر والصور. القسم الثاني وفيه أربعة عشر باباً، يتطرق الى الأسرار والغفارين والمحفوظات والتأديبات. القسم الثالث وفيه ستة أبواب، يتناول الخدام والقسوس والرؤساء وامتيازات السيد البطريرك والمحاكم. القسم الرابع وفيه سبعة أبواب، يتناول الكنائس والمدراس والأديار والترتيبات المجمعية.

أما ذيل المجمع فيحتوي على ثلاثة وأربعين فصلاً تتناول موضوعات مختلفة من غفرانات ورسائل بابوية وقوانين أديار ومدارس وأعياد وأصوام. ولقد أثبتت في الكتاب أيضاً الرسائل المجمعية.

إن هدفنا من ايراد هذه العناوين هو الحثّ على مطالعة نصوص المجمع للوقوف على ما فيها من كنوز وتدابير وتوجيهات يتّسم بعضها بالرؤى النبوية، ولا سيما تلك المتعلقة بالتربية.

وبالرغم من كل ما قيل في هذا المجمع، فانه لا يزال موضوع بحث ودراسات وتحليل لأكثر من باحث. وهذا دليل على ما شكل هذا المجمع من نقلة نوعية في حياة كنيستنا، لا تزال آثارها بيّنة في تاريخنا.

غير أنه يجب الاعتراف بأن التجديدات التي ادخلها المجمع تطلبت وقتاً طويلاً لتدخل حيّز التنفيذ. وهذا ما استدعى عقد مجامع لاحقة.

9.       لقد عقدت ثلاثة مجامع في عهد البطريرك سمعان عواد: الأول سنة 1744 في بقعاتة، كسروان، والثاني سنة 1747 والثالث سنة 1755 عقدا في قنوبين. وعقد مجمع سنة 1756 في بقعاتة كسروان دعا اليه البطريرك طوبيا الخازن.

كما عقد مجمع في دير ميفوق سنة 1780 بطلب من القاصد الرسولي وبرئاسة النائب البطريركي المطران ميخائيل الخازن. أما البطريرك يوسف اسطفان، فلقد دعا الى عقد ثلاثة مجامع، أولها سنة 1768 في دير مار يوسف الحصن في غوسطا، وثانيها سنة 1786 في عين شقيق في وطا الجوز، وثالثها في بكركي سنة 1790.

وانعقد في القرن التاسع عشر مجمعان، أحدهما في دير سيدة اللويزة سنة 1818 في عهد البطريرك يوحنا الحلو، والثاني سنة 1856 في عهد البطريرك بولس مسعد.

ان المجامع التي عقدت بعد المجمع اللبناني بناء على طلب الكرسي الرسولي نفسه كانت في مجملها لتطبيق مقررات المجمع اللبناني ولا سيما ما يتعلق بالأبرشيات وتحديد صلاحيات المطارنة وواجبات خوارنة الرعايا والرهبان والراهبات واستعمال الكتب الطقسية وغيرها.

10.     لم تعقد مجامع بعد أواسط القرن التاسع عشر؛ وسبّب هذا الانقطاع فجوة كبرى في التدبير الكنسي الذي كان متبعاً، بناء على قرارات مجمعية سابقة.

وبدأت أصوات كنسية وعلمانية تطالب بعقد مجمع ماروني جديد منذ أوائل القرن العشرين. ففي سنة 1921 رفع المطران بشاره الشمالي تقريرًا الى البابا بندكتوس الخامس عشر يطلب فيه »تأسيس اكليريكية مركزية مارونية...«. ويبين ضرورة هذه المؤسسة الى أن يصل الى فكرة المجمع فيضيف: »...هذه الاكليريكية ستؤمن الحياة لكنيستنا المارونية وستكون بمثابة قاعدة لاصلاح جذري وستساهم في تحضير مجمع لبناني جديد حيث القضايا القانونية والتنظيمية والطقسية توضح وتضبط وتطبّق على الحاجات الجديدة«.

»فيكون من السهل جداً، بعد تأسيس الاكليريكية المقترحة، تعيين عدة لجان من بين الهيئة التعليمية تعطى مهمة دراسة مواضيع التنظيم والليتورجيا والحق القانوني، دراسات تكون بمثابة تصميم يعرض للتشاور في المجمع«.

»كما تكون الفرحة كبيرة اذا استطعنا، في سنة 1936، بمناسبة اليوبيل المئوى الثاني للاحتفال بالمجمع اللبناني، أن نعقد مجمعاً ثانياً يكون فجر حياة جديدة والتكملة الضرورية لمجمع سنة 1736« (مجلة رابطتنا عدد 6 أيار 1986: ص 13ـ21).

واذا ما تتبعنا مؤتمرات الرابطة الكهنوتية والتجمعات الاكليريكية والعلمانية والمنشورات والبيانات التي أصدرتها، فانها كانت كلها تطالب بالتحديد وتعرض للموضوعات التي يجب معالجتها. وبرزت هذه المطالبة بنوع خاص بعد المجمع الفاتيكاني الثاني وما أحدثه من إعادة نظر في شؤون الكنيسة على مستوى عالمي، تردد صداها عندنا في كتاب وجّهه أكثر من مئة كاهن الى السلطة الكنسية عمره ثلاثون سنة جاء فيه: »... تبين لنا أن خير وسيلة للقيام بالاصلاح والتجديد الذي تريدونه ونريده معكم ويتوق اليه شعبنا المسيحي، هي في عقد مجمع على غرار المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني«. ويورد الكتاب لائحة بالموضوعات الملح درسها (22/1/1973).

وتبلورت هذه الافكار والاقتراحات على اثر ندوات قامت بها حركة »كنيسة من أجل عالمنا«، في مشروع متكامل قدّمته أواخر سنة 1982.

وفي عدد »المنارة« الذي صدر سنة 1983، كتبنا مقالاً عن »أثر المجامع الطائفية في حياة الكنيسة المارونية«، ختمناه بما يلي:

»قد انقضى قرن وربع قرن على انعقاد آخر مجمع. وكانت قد بدت في الافق بوادر تشير بعيد الفراغ من المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الى أن الحاجة باتت تدعو الى إعادة نظر في كثير من الشؤون الكنسية عن طريق عقد مجمع ماروني. غير أن الاحداث التي توالت على لبنان ولا تزال تتوالى، حالت دون تحقيق هذه الامنية. فعسى أن تزول المحنة ويعود لبنان الى ما يصبو اليه أبناؤه من أمن وسلام، ويهبّ الروح ليتجدد فيه وجه الأرض« (المنارة صفحة 10).

وبعد انتخابنا بطريركاً سنة 1986 كررنا القول على مسامع أبنائنا الرهبان الذين توافدوا للتهنئة، وطالب حضرة رئيسهم العام بالمجمع: »...والأماني كثيرة وقد تكاثر غبار الزمن على الكثير من مؤسساتنا وتقاليدنا وعاداتنا. وبعد انقضاء مائتين وخمسين سنة، آن الاوان لكي ننفض الغبار ونعيد النظر في الكثير من شؤوننا. واننا نرحب بالفكرة ]الدعوة لعقد مجمع عام[ ولكن يجب لها إعداد وان نضمن لها الموآزرة من المجمع ولا سيما بركة صاحب القداسة البابا يوحنا بولس الثاني« (النهار 4/5/86).

ونظراً الى كل ما أسهبنا في عرضه، وما ورد من دعوات الى التجديد، سواء أكان في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، أم في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية أو المجامع الاسقفية التي عقدت على كل المستويات وفي شتى البلدان، كان لا بدّ من المباشرة بعقد مجمع جديد. وهذا ما توافقنا عليه مع اخواننا السادة الاساقفة.

ثالثاً : المجمع البطريركي الماروني

I. نظرة تاريخية

11.     سنة 1985 أطلقت الرابطة الكهنوتية التي كانت مجتمعة في مدرستنا الاكليريكية في غزير في رياضتها الروحية السنوية التي كان مرشدها حضرة الخوري يواكيم مبارك »مشاورة راعوية في سبيل مسيرة مجمعية مارونية«، طرحت فيها أسئلة على عيّنة كبيرة من المؤمنين شملت فكرة المجمع وموضوعاته. ورفعت الينا حصيلة الدراسة سنة 1987، فقررنا في مجمعنا المنعقد في حزيران من السنة نفسها تشكيل لجنة مجمعية برئاسة المثلث الرحمة المطران يوسف الخوري وعضوية المطارنة جون شديد ويوسف بشاره وبشاره الراعي. وكلّفناها »درس الظروف الموآتية وتهيئة الاجواء لعقد مجمع ماروني عام لاعادة النظر في الشؤون الكنسية«.

عملت اللجنة بموآزرة مندوبين من الابرشيات والرهبانيات وخبراء اكليريكيين وعلمانيين وعيّنت الخوري يواكيم مبارك أميناً عاماً يساعده الخوري منير خيرالله.

قدّمت اللجنة حصيلة عملها الى مجمعنا البطريركي في حزيران 1988. فأثنينا عليه، وكلفناها أن تبدأ بأعمالها التحضيرية بعد أن أنهت المرحلة التمهيدية.

12.     وانكبّت اللجنة على وضع التصميم النهائي للملفات التي يجب درسها وعكف الخبراء على كتابة النصوص واعادة صياغتها أكثر من مرة. وكانت تطلعنا سنة بعد سنة على حصيلة العمل حتى حزيران 1991.